نازك الملائكة
ولدت نازك صادق جعفر الملائكة في 23 أغسطس 1923م، في بيتٍ اشتهر بالعلم والأدب، فأبوها ضليع في اللغة العربية وعلومها، وخالها شاعر، أما أمها ” سلمى عبد الرزاق ” فكانت شاعرة مُجيدة، حيث كانت تنشر قصائدها باسم ” أم نزار “، ولها ديوان “أنشودة المجد”.

تفتحت الموهبة الأدبية لنازك مبكرا فاتجهت منذ صغرها إلى دراسة الأدب القديم، واستفاضت في دراسة النحو وقرأت ودرست عيون التراث العربي اللغوي والأدبي، وكانت شديدة النهم للقراءة حتى إنها قرأت كتاب “البيان والتبيين” للجاحظ في ثمانية أيام؛ وهو ما أصابها بمرض مؤقت في عينيها، وتحكي عن نفسها أنها كانت تشعر بالرهبة والخوف إذا لم تقرأ ثماني ساعات يوميا، بدأت نازك نظم الشعر بالعامية العراقية قبل سن العاشرة، ثم نظمت أول قصيدة بالعربية الفصحى وهي في العاشرة من العمر.
التحقت بدار المعلمين العالية ( كلية التربية حالياً ) وتخرجت منها بشهادة الليسانس سنة 1944م بدرجة امتياز.
حصلت على الماجستير من جامعة مادسن / وسكونس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1950م في الأدب المقارن وأجادت اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية، ثم عادت عام 1954م ثانية إلى الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراه في البعثة التي أوفدتها الجامعة العراقية، واطلعت على الأدب الفرنسي والصيني والألماني والهندي.
وبعد عودتها للعراق عملت بكلية التربية ببغداد سنة 1957م، ثم انتقلت إلى جامعة البصرة لتعمل أستاذة مساعدة بكلية التربية، ومن ثم تزوجت في عام 1964م من الأستاذ الدكتور “عبد الهادي محبوبة” رئيس جامعة البصرة.
رحلت إلى الكويت مع زوجها وعملا بالتدريس في جامعة الكويت، ومنحتها الجامعة عام 1985م إجازة تفرغ للعلاج بعدما أصيبت بمرض عضال ثم عادت إلى العراق ومنها إلى القاهرة لتكمل علاجها الطبي بسبب نقص الأدوية في العراق بسبب الحصار الأمريكي. واتخذت نازك وزوجها وابنها الوحيد الدكتور “براق” القاهرة سكنا ومستقرا دائما.
وبعد وفاة زوجها الدكتور “محبوبة” سنة 2001م عاشت في عزلة بعيدا عن ضجيج الحياة، مما حدا ببعض الصحف أن تنشر أخبارا عن وفاتها رغم أنها ما زالت على قيد الحياة.
جمعت الدكتورة “نازك الملائكة” بين الشعر والنقد، ونقد النقد، وهي موهبة لم تتوفر إلا للنادر من الأدباء والشعراء، وأصدرت عددا من الدواوين والدراسات النقدية والأدبية، فمن دواوينها:
- عاشقة الليل بغداد عام 1947م.
- قرارة الموجة بيروت عام 1957م
- شجرة القمر بيروت عام 1968م
- مأساة الحياة وأغنية للإنسان بيروت 1970م
- شظايا ورماد بغداد 1949م
- للصلاة والثورة بيروت 1973م
- يغير ألوانه البحر بغداد 1974م
وجمعت دواوينها في مجلدين ضخمين ونشرا في بيروت.
ومن دراستها النقدية:
- قضايا الشعر المعاصر بيروت 1962م
- الصومعة والشرفة الحمراء، علي محمود طه القاهرة 1965م
- سيكولوجية الشعر القاهرة 1990م
كما لها كتاب التجزيئية في المجتمع العربي بيروت 1972م ( عبارة عن نظرية لها)، ولا يمكن تجاهل المجموعة القصصية الرائعة .. الشمس التي وراء القمة ( القاهرة -1997م ). بالإضافة إلى النقد والشعر كانت نازك تجيد العزف على آلة العود التي درستها لمدة ست سنوات في معهد الفنون الجميلة. وقد حصلت “نازك الملائكة” على عدد من الجوائز الأدبية منها جائزة الإبداع العراقي عام 1992م وجائزة البابطين للشعر. وكانت قصيدة “أنا وحدي” آخر قصائدها المنشورة التي رثت بها زوجها الدكتور “محبوبة”.
تُعَدُّ نازك الملائكة رائدة الشّعر العربيّ المعاصر( الشّعر الحرّ ) أو (قصيدة التّفعيلة) بامتياز، ففي عام 1947م نظمت أول قصيدة في الشعر الحر بعنوان “الكوليرا”، وقالت عن القصيدة بأنها “ستغير خريطة الشعر العربي”، وبالفعل كانت هذه القصيدة نقطة البداية والانطلاق للشّعر العربيّ المعاصر. ويتميز شعر نازك الملائكة بصفة عامة بالحزن، حيث يمكن ملاحظة التّجارب الشّعوريّة المليئة بالحزن الشّفيف في أغلب شعرها.
أغنية حب للكلمات
فيمَ نخشَى الكلماتْ
وهي أحيانًا أكُُفٌّ من ورودِ
بارداتِ العِطْرِ مرّتْ عذْبةً فوق خدودِ
وهي أحيانًا كؤوسٌ من رحيقٍ مُنْعِشِ
رشَفَتْها, ذاتَ صيفٍ, شَفةٌ في عَطَشِ ؟
**
فيم نخشى الكلماتْ ؟
إنّ منها كلماتٍ هي أجراسٌ خفيّهْ
رَجعُها يُعلِن من أعمارنا المنفعلاتْ
فترةً مسحورةَ الفجرِ سخيّهْ
قَطَرَتْ حسّا وحبًّا وحياةْ
فلماذا نحنُ نخشى الكلماتْ ؟
**
نحنُ لُذْنا بالسكونِ
وصمتنا, لم نشأ أن تكشف السرَّ الشِّفاهُ
وحَسِبنا أنّ في الألفاظ غولاً لا نراهُ
قابعًا تُخْبئُهُ الأحرُفُ عن سَمْع القرونِ
نحنُ كبّلنا الحروف الظامئهْ
لم نَدَعْها تفرشُ الليلَ لنا
مِسْندًا يقطُرُ موسيقَى وعِطْرًا ومُنَى
وكؤوسًا دافئهْ
**
فيم نخشى الكلماتْ ؟
إنها بابُ هَوًى خلفيّةٌ ينْفُذُ منها
غَدُنا المُبهَمُ فلنرفعْ ستارَ الصمتِ عنها
إنها نافذةٌ ضوئيّةٌ منها يُطِلّ
ما كتمناهُ وغلّفناهُ في أعماقنا
مِن أمانينا ومن أشواقنا
فمتى يكتشفُ الصمتُ المملُّ
أنّنا عُدْنا نُحبّ الكلماتْ ؟
**
ولماذا نحن نخشَى الكلماتْ
الصديقاتِ التي تأتي إلينا
من مَدَى أعماقنا دافئةَ الأحرُفِ ثَرّهْ ؟
إنها تَفجؤنا, في غَفْلةٍ من شفتينا
وتغنّينا فتنثالُ علينا ألفُ فكرهْ
من حياةٍ خِصْبة الآفاقِ نَضْرهْ
رَقَدَتْ فينا ولم تَدْرِ الحياةْ
وغدًا تُلْقي بها بين يدينا
الصديقاتُ الحريصاتُ علينا, الكلماتْ
فلماذا لا نحبّ الكلماتْ ؟
**
فيمَ نخشى الكلماتْ ؟
إنّ منها كلماتٍ مُخْمليات العُذوبَهْ
قَبَسَتْ أحرفُها دِفْءَ المُنى من شَفَتين
إنّ منها أُخَرًا جَذْلى طَروبهْ
عَبرَت ورديّةَ الأفراح سَكْرى المُقْلتين
كَلِماتٌ شاعريّاتٌ, طريّهْ
أقبلتْ تلمُسُ خَدّينا, حروفُ
نامَ في أصدائها لونٌ غنيّ وحفيفُ
وحماساتٌ وأشواقٌ خفيّهْ
**
فيمَ نخشى الكلماتْ ؟
إن تكنْ أشواكها بالأمسِ يومًا جرَحتْنا
فلقد لفّتْ ذراعَيْها على أعناقنا
وأراقتْ عِطْرَها الحُلوَ على أشواقنا
إن تكن أحرفُها قد وَخَزَتْنا
وَلَوَتْ أعناقَها عنّا ولم تَعْطِفْ علينا
فلكم أبقت وعودًا في يَدَينا
وغدًا تغمُرُنا عِطْرًا ووردًا وحياةْ
آهِ فاملأ كأسَتيْنا كلِماتْ
**
في غدٍ نبني لنا عُشّ رؤًى من كلماتْ
سامقًا يعترش اللبلابُ في أحرُفِهِ
سنُذيبُ الشِّعْرَ في زُخْرُفِهِ
وسنَرْوي زهرَهُ بالكلماتْ
وسنَبْني شُرْفةً للعطْرِ والوردِ الخجولِ
ولها أعمدةٌ من كلماتْ
وممرًّا باردًا يسْبَحُ في ظلٍّ ظليلِ
حَرَسَتْهُ الكلماتْ
**
عُمْرُنا نحنُ نذرناهُ صلاةْ
فلمن سوف نصلّيها… لغير الكلماتْ ؟
هذا المقال كتبته لمجلة Student Talk ( الإمارات العربية المتحدة ).
وسوم: student talk, أدب وشعر, شاعرات, شعر, شعراء, شعراء العراق
30 مايو 2008
أدب وشعر | 270 قراءة | أرسل المقال لصديقك
| طباعة
اللهم إني أسألك الرحمة والمغفرة لوالدتي.
يمكنك ترك تعليق، أو تعقيب من خلال موقعك الشخصي.
