ابن زيدون
الاسم: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي.
الكنية: أبو الوليد.
اللقب: ابن زيدون الأندلسي.
الولادة: 394 هـ - 1003 م بالرصافة وهي من ضواحي قرطبة.
الوفاة: 1 رجب 463هـ - 4 إبريل 1071م عن عمر بلغ نحو ثمانية وستين عاماً بأشبيلية.
ينتمي ابن زيدون إلى قبيلة “بني مخزوم” العربية، ذات المكانة العظيمة في الجاهلية والإسلام، والده فقيه في قرطبة ومن أعلامها، وهو ضليع في اللغة العربية. لكن ابن زيدون فقده مع بلوغه الحادية عشرة من عمره، فتولى جده الحازم ذو الصرامة تربيته. عاش ابن زيدون في مستوى اجتماعي وثقافي رفيع، ساعده على إثراء حصيلته اللغوية والأدبية عن طريق التقاءه مع عدد كبير من علماء عصره وأعلام الفكر والأدب في الأندلس، ومنهم: أبو بكر مسلم بن أحمد بن أفلح. كما أنه اتصل بكثير من أدباء عصره وتوطدت علاقته معهم كأبي الوليد بن جَهور، وأبي بكر بن ذَكوان. وتعلم ابن زيدون في جامعة قرطبة، ولمع بين أقرانه كشاعر.
هذه العوامل وغيرها صّيرت ابن زيدون من صفوة شباب قرطبة. وجعلته مشاركاً في أغلب الأحداث التي تمر بها هذه المدينة من إلغاءٍ للخلافة الأموية وتأسيس حكومة “جَهوَرِيّة”. ذلك أدى إلى مكافأته بمنصب الوزارة، واعتماد الحاكم عليه في كثير من الأمور الهامة كالسفارة بينه وبين الملوك المجاورين.
اتسم ابن زيدون بالطموح الكبير، والميل إلى التحرر. فاستغل أعداءه ومنافسوه غروره وتهوره وأوغروا عليه صدر ابن جهور، ونجحوا في الوقيعة بينهما. عندما اتهمه ابن عبدوس بضلوعه في مؤامرة لقلب نظام الحكم. الفترة التي قضاها ابن زيدون في السجن جعلته يكتب رسائل عجيبة يستعطف فيها ابن جهور، وقصائد أخرى لصديقه أبي الوليد ليتوسط له لدى أبيه. لكن كل الرسائل والقصائد والوساطات لم تنفع، فهرب ابن زيدون من السجن ليختبأ في أحد ضواحي قرطبة. وظل يرسل رسائله لأبي الحزم وأبي الوليد حتى تم العفو عنه، فلزم صديقه أبو الوليد حتى خلف والده في الحكم، فارتفع بابن زيدون إلى مرتبة الوزارة مرة أخرى.
بَني جَهوَرِ أحَرقتُمُ بِجَفائِكُم **** جَناني وَلكِّنَّ المَدائحَ تَعبَقُ
تَعُدونَني كَالعَنبَر الوَردِ إنَّما **** تَطيبُ لَكُم أَنفاسُهُ حينَ يُحرَقُ
ابن زيدون و ولادة
كان الشعر بداية تعرف ابن زيدون بفراشة الأندلس ولادة بنت المستكفي. كانت ولادة أديبة شاعرة، جزلة القول، مطبوعة الشعر، ذات نسب ملكي، آية في الرشاقة والحسن، لها مجلس بقرطبة يضم أشهر مثقفي وشعراء عصرها. كان ابن زيدون واحداً من أبرز الأدباء الذين ارتادوا ندوتها، فأحبها حباً ملك عليه حياته، وأحبته هي أيضاً. وأخذا يتبادلان الرسائل الشعرية التي عبرت لنا عن حبهما الكبير.
إلا ذكرتُكِ ذكر العين بالأثر **** ما جالَ بعدك لحظي في سنا قمر
إن الحوار لَمفهوم من الحور **** فهمت معنى الهوى من وحي طَرفِك لي
أبو عامر بن عبدوس كان منافس ابن زيدون في حب ولادة، وقد أرسل إليها برسالة يستميلها إليه، فلما علم ابن زيدون كتب إليه رسالة على لسان ولادة –وهي المعروفة بالرسالة الهزلية- يسخر منه فيها، وجعله أضحوكة على كل لسان، مما أثار حفيظة ابن عبدوس، فصرف جهده إلى تأليب الأمير عليه – وذلك باتهامه بمؤامرة قلب نظام - ليصبح الطريق أمامه خالياً ليسترد مودة ولادة. وقيل أن ولادة هجرته لغناء إحدى جواريها في حضوره، فظهر لولادة أن ابن زيدون مال إليها فأغضبها منه ذلك. ولكي تغيظه وجدت عاشقاً جديداً هو الوزير ابن عبدوس.
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا **** لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصناً مثمراً بجماله **** وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما **** لكن ولعت لشوقي بالمشتري
ابن زيدون واشبيلية
حتى بعد أن خلف أبو الوليد والده في الحكم، وعادت إلى ابن زيدون حياة الحُظوة والمكانة الرفيعة لم يَنسَ حبه الكبير لولادة. لكن المودة لم تعد إلى سابق عهدها. وخصوم ابن زيدون لم يكفوا عن اتهامه مرة أخرى بمحاولة قلب نظام الحكم، فغضب منه أبو الوليد، وارتحل إلى اشبيلية ليجد له مكانة بارزة في بلاط المعتضد ابن عباد.
أَعبّادُ يا أَوفى المُلوكِ بِذِمَّةٍ **** وَأَرعاهُمُ عَهداً وأطوَلَهُم يدا
تباينت في حاليك غدت تواضعا **** لتستوفي العليا وأنجدت سوددا
ولما اعتضدت الله كنت مؤهلا **** لديه لأن تحمي وتكفي وتعضدا
ولكنه كعادته لم يرض بأن يكون في الظل، وسعى بكل طاقاته لأن تصبح كل مقاليد الأمور في يده. وقد تحقق له هذا الأمر مع ابن عباد. فتدرج إلى أن ظفر بمنصب الكتابة – أهم مناصب الدولة وأخطرها – ومازال ابن زيدون متقلداً وجامعاً لأهم مناصب الدولة وأخطرها في عهد المعتمد خليفة المعتضد, والذي كان بينهما كثير من المطارحات الشعرية العذبة تكشف عن صداقة وطيدة بينهما. وأصبحت حياته كلها أفراحاً لا يشوبها سوى حساده أمثال ابن عمار و ابن مرتين اللذين كانا سبباً في هلاكه في 1 رجب 463 هجرية. إذ ثارت العامة في اشبيلية على اليهود فاقترحا على الخليفة إرسال ابن زيدون لتهدئة الموقف، واضطر ابن زيدون لتنفيذ أمر الخليفة رغم مرضه وكبر سنه، مما أجهده وزاد المرض عليه فدهمه الموت.
نونية ابن زيدون
كان ابن زيدون شاعراً أصيلاً متمكناً في شتى ضروب الشعر ومختلف أغراضه، يحتل شعر الغزل نحو ثلث ديوانه حتى أنه في قصائد المدح يبدأ بمقدمات غزلية، ويتميز غزله بالرقة والمعاني المبتكرة والعاطفة الجياشة والمشاعر الصادقة. كل هذا كان واضحاًَ في درته الفريدة النونية التي كتبها بعد فراره من سجنه بقرطبة إلى اشبيلية إلى محبوبته ولادة. هذه القصيدة التي يبكي فيها البعد ويعبر فيها عن حنينه لتلك الأيام الخوالي التي قضاها مع ولادة، ولم يعد الهجر محتملاً بالنسبة له.
أَضْحَى التَّنَائِـي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا **** وَنَا بَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا
ألا وقد حانَ صُبـح البَيْـنِ صَبَّحنـا **** حِيـنٌ فقـام بنـا للحِيـن ناعِيـنـا
مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِـهـم **** حُزناً مع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا
أن الزمان الـذي مـا زال يُضحكنـا **** أنسًـا بقربهـم قـد عـاد يُبكيـنـا
غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا **** بـأن نَغُـصَّ فقـال الدهـر آميـنـا
فانحـلَّ مـا كـان معقـودًا بأنفسنـا **** وانبتَّ مـا كـان موصـولاً بأيدينـا
لـم نعتقـد بعدكـم إلا الوفـاءَ لكـم **** رأيًـا ولـم نتقلـد غـيـرَه ديـنـا
ما حقنا أن تُقـروا عيـنَ ذي حسـد **** بنـا، ولا أن تسـروا كاشحًـا فينـا
كنا نرى اليـأس تُسلينـا عوارضُـه **** وقـد يئسنـا فمـا لليـأس يُغرينـا
بِنتـم وبنـا فمـا ابتلـت جوانحُنـا **** شوقًـا إليكـم ولا جـفـت مآقيـنـا
نكـاد حيـن تُناجيـكـم ضمائـرُنـا **** يَقض ي علينا الأسى لـولا تأسِّينـا
حالـت لفقـدكـم أيامـنـا فَـغَـدَتْ **** سُود ًا وكانـت بكـم بيضًـا ليالينـا
إذ جانب العيـش طَلْـقٌ مـن تألُّفنـا **** وموردُ اللهو صـافٍ مـن تصافينـا
وإذ هَصَرْنا غُصون الوصـل دانيـة **** قطوفُهـا فجنينـا منـه مـا شِيـنـا
ليسقِ عهدكـم عهـد السـرور فمـا **** كنـتـم لأرواحـنـا إلا رياحـيـنـا
لا تحسبـوا نَأْيكـم عـنـا يُغيِّـرنـا **** أن طالمـا غيَّـر النـأي المحبيـنـا
والله مـا طلبـت أهـواؤنـا بــدلاً **** منكـم ولا انصرفـت عنكـم أمانينـا
يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ فاسق به **** من كان صِرفَ الهوى والود يَسقينـا
واسـأل هنـاك هـل عنَّـي تذكرنـا **** إلفًـا، تـذكـره أمـسـى يُعنِّيـنـا
ويـا نسيـمَ الصِّبـا بلـغ تحيتـنـا **** من لو على البعد حيًّـا كـان يُحيينـا
فهل أرى الدهـر يَقصينـا مُساعَفـةً **** منـه ولـم يكـن غِبًّـا تقاضيـنـا
ربيـب مـلـك كــأن الله أنـشـأه **** مسكًا وقـدَّر إنشـاء الـورى طينـا
أو صاغـه ورِقًـا محضًـا وتَوَّجَـه **** مِن ناصع التبـر إبداعًـا وتحسينـا
إذا تَـــأَوَّد آدتـــه رفـاهـيَـة **** تُـومُ العُقُود وأَدْمَتـه البُـرى لِينـا
كانت له الشمسُ ظِئْـرًا فـي أَكِلَّتِـه **** بـل مـا تَجَلَّـى لهـا إلا أحاييـنـا
كأنمـا أثبتـت فـي صحـن وجنتـه **** زُهْـرُ الكواكـب تعويـذًا وتزييـنـا
ما ضَرَّ أن لم نكـن أكفـاءَه شرفًـا **** وفـي المـودة كـافٍ مـن تَكَافينـا
يا روضـةً طالمـا أجْنَـتْ لَوَاحِظَنـا **** وردًا أجلاه الصبـا غَضًّـا ونَسْرينـا
ويـا حـيـاةً تَمَلَّيْـنـا بزهرتـهـا **** مُـنًـى ضُرُوبًـا ولـذَّاتٍ أفانِيـنـا
ويا نعيمًـا خَطَرْنـا مـن غَضَارتـه **** في وَشْي نُعمى سَحَبْنـا ذَيْلَـه حِينـا
لسنـا نُسَمِّيـك إجــلالاً وتَكْـرِمَـة **** وقد رك المعتلـى عـن ذاك يُغنينـا
إذا انفردتِ وما شُورِكْتِ فـي صفـةٍ **** فحسبنا الوصـف إيضاحًـا وتَبيينـا
يـا جنـةَ الخلـد أُبدلنـا بسَلْسِلهـا **** والكـوثر العـذب زَقُّومًـا وغِسلينـا
كأننـا لـم نَبِـت والوصـل ثالثـنـا **** والسعد قد غَضَّ من أجفـان واشينـا
سِرَّانِ فـي خاطـرِ الظَّلْمـاء يَكتُمُنـا **** حتى يكـاد لسـان الصبـح يُفشينـا
لا غَرْو فِي أن ذكرنا الحزن حِينَ نَهَتْ **** عنه النُّهَى وتَركْنـا الصبـر ناسِينـا
إذا قرأنا الأسى يومَ النَّـوى سُـوَرًا **** مكتوبـة وأخذنـا الصبـر تَلْقِيـنـا
أمَّـا هـواكِ فلـم نعـدل بمنهـلـه **** شِرْبًـا وإن كـان يروينـا فيُظمينـا
لم نَجْفُ أفـق جمـال أنـت كوكبـه ****ساليـن عنـه ولـم نهجـره قالينـا
ولا اختيـارًا تجنبنـاه عـن كَـثَـبٍ **** لكـن عدتنـا علـى كـره عوادينـا
نأسـى عليـك إذا حُثَّـت مُشَعْشَعـةً **** فيـنـا الشَّمُـول وغنَّانـا مُغَنِّيـنـا
لا أَكْؤُسُ الراحِ تُبدى مـن شمائلنـا **** سِيمَـا ارتيـاحٍ ولا الأوتـارُ تُلهينـا
دُومِي على العهد، ما دُمْنا، مُحَافِظـةً **** فالحُرّ ُ مَنْ دان إنصافًـا كمـا دِينَـا
فما اسْتَعَضْنا خليـلاً مِنـك يَحْبسنـا **** ولا استفدنـا حبيبًـا عنـك يُثْنيـنـا
ولو صَبَا نَحْوَنا مـن عُلْـوِ مَطْلَعِـه **** بدرُ الدُّجَى لم يكن حاشـاكِ يُصْبِينـا
أَوْلِي وفـاءً وإن لـم تَبْذُلِـي صِلَـةً **** فالطيـفُ يُقْنِعُنـا والذِّكْـرُ يَكْفِيـنـا
وفي الجوابِ متاعٌ لـو شفعـتِ بـه **** بِيْضَ الأيادي التي ما زلْـتِ تُولِينـا
عليـكِ مِنـي سـلامُ اللهِ مـا بَقِيَـتْ **** صَبَابـةٌ منـكِ نُخْفِيـهـا فَتُخفيـنـا
المدقق في هذه القصيدة الرائعة الخالدة يرى تميز شعر ابن زيدون بالصدق والحرارة، والتجديد في المعاني، وابتكار الصور الجديدة، كما أنها تفيض بالعاطفة المشبوبة. ابن زيدون استطاع في هذه القصيدة أن يدمج الجمالية بالحياة. هذا ينطبق على جميع قصائده التي اتسمت بامتزاج سحر الطبيعة بلوعة الحب وذكريات الهوى، فكان الوصف عنده مزيجاً عبقرياً من الصور الجميلة والمشاعر الدافقة.
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً **** والأفق طلق، ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله **** كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم **** كما شققت عن اللبات أطواقا
شعر ابن زيدون اتسم بخلوه من الميوعة العاطفية والغثاثة والابتذال العاطفي، واتسم بأنه شعر الحنين والشوق، وهذا الحنين الذي يفيض به شعره يجعله أمير شعراء عصره.
ابن زيدون لم يتسم بجودة شعره فقط، فكما برع في الشعر برع في فنون النثر، ولكن بالرغم من جودة نثره، فإنه لم يصل إلينا منه إلا القليل، ومنها: رسالته الهزلية على لسان ولادة إلى ابن عبدوس، والتي تناول شروحها العديد من الكتاب، مثل “جمال الدين بن نباتة المصري” في كتابه “سرح العيون”. هناك أيضاً رسالته الجدية التي كتبها ليستعطف أبا الحزم، والتي شرحها “عبد القادر البغدادي” في كتابه “مختصر تمام المتون”. بالإضافة إلى “رسالة الاستعطاف” التي كتبها بعد فراره من سجنه وعودته من اشبيلية إلى، والتي تعد الأقوى بين رسائله جميعاً. ولابن زيدون كتاب في تاريخ بني أمية سماه “التبيين”، والذي لم تصلنا منه إلا مقطوعتان، حفظهما “المقري” في كتابه “نفح الطيب”.
ابن زيدون لم يكن شاعراً عادياً، فابن زيدون شغل الشعراء وألهمهم لمعارضته واقتفاء أثره وخطاه. فقد عارض نونيته الشهيرة كثير من الشعراء “ومنهم أحمد شوقي”، ولكن أحداً منهم لم يبلغ ما بلغه فيها. وكانت أعماله الشعرية والنثرية موضوعات لدراسات وإبداعات كثيرة، وتعد رسائله من عيون الأدب العربي. حتى المستشرقين والمستعربين الأوروبيين قد شُغلوا بشعره وتتبع حياته مثل: كور، خوان بيرنيت، ماريا خيسوس، وغيرهم. ورغم أن الأندلس قد عمرت بعشرات الشعراء، لكن ابن زيدون تميز عنهم جميعاً واكتسب مكانة رفيعة، مكانة لم تنقص على الأيام.
هذا المقال كتبته لمجلة Student Talk ( الإمارات العربية المتحدة ) في العدد الأول من العام 2005 ( Issue 01 - April / May 2005 )
وسوم: student talk, أدب وشعر, شعر, شعراء, شعراء الأندلس, شعراء العصر الأندلسي
26 مايو 2008
أدب وشعر | 276 قراءة | أرسل المقال لصديقك
| طباعة
اللهم إني أسألك الرحمة والمغفرة لوالدتي.
يمكنك ترك تعليق، أو تعقيب من خلال موقعك الشخصي.
