الرئيسية » أدب وشعر » أبو القاسم الشابي

أبو القاسم الشابي

وُلد أبو القاسم بن محمد الشابي في 26/2/1909م بمدينة توزر بتونس. لم ينشأ أبو القاسم بمسقط رأسه فقد خرجا منها مبكراً حينما بدأ أبوه الترحال للحاق بالبلدان التي كان يُعين فيها قاضياً. وقبل أن يتم الثامنة عشر من عمره التحق بجامع الزيتونة ليدرس علوم الدين واللغة والأدب، ثم التحق بالمدرسة التونسية للحقوق، فتخرج بشهادتها في القانون سنة 1929م والتي لم يعمل بها قط.تزوج الشابي قبل وفاة أبيه وذلك في عام 1929م، وقيل أن زواجه عن كُره إرضاءً  لوالده، وقد رُزق من زواجه هذا بولدين.
في هذه الفترة بدأت أعراض داء القلاب تظهر عليه واضحة، رغم أنه كان يعرف بمرضه قل تخرجه من الزيتونة، ورغم تحذير الأطباء له من عواقب الإجهاد الفكري والبدني فإنه لم يعتدل في حياته.
وبعد أن ساءت حالته كثيراً وأعياه المرض دخل مستشفى الطليان ليتوفى بها في 9/10/1934م، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه ليدفن بها.

 

الشاعر أبو القاسم الشابي

كان أبو القاسم رقيق النفس، عنيداً، صادق الإحساس، وجداني، طبع شعره على غرار المذهب الرومانسي. وظهر الشابي فجأة كشاعر تام النضج، وهو على صغر سنه شاعر كثير مُجيد.
وكان للشابي خيال موغل في الغرابة، يصطنع من الأمور العادية مشاهداً وقصصاً. وقد مد الشابي بينه وبين الطبيعة كل أسباب التواصل. مما زاد من توهج جمال الطبيعة في عينيه، إطلاعه على أشعار الرومانسيين الأوروبيين أمثال.. لامرتين، بيرون، غوته، و أوسيان، بالإضافة إلى إطلاعه على الأدب العربي الحديث من خلال مدرسة المهجر.
وقد قال زين العابدين السنونسي: ( الشابي خيالي التفكير، خيالي التعبير، يبحث عن مثل أعلى من صنع هذا الخيال، فلا يجده في العالم الذي يعيش فيه، فينقلب شاكياً باكياً، ثم تصطبغ آرائه وتعابيره بالأسى والحزن والكآبة والوجوم..).
أما غزل الشابي فهو وجداني، صادق التعبير، وهو قليل.
قال علاء الدين حسن: ( لا يقاس خلود المبدع بعدد السنوات، وإنما بقيمة ما أعطى، وروعة ما ترك.. ).
فأبو القاسم ترك لنا آثار كثيرة جياد منها:

وبالفعل تحيرت أي القصائد أختار لأعرضها لكم، ” الأبد الصغير “، ” قلب الشاعر “، ” يا اين أمي “، ” إلى الطاغية “، ” زئير العاصفة “، ” إلى طغاة العالم “، ” قالت الأيام”، ” النبي المجهول “، ” تونس الجميلة “، ” إرادة الحياة “، ” في هيكل الحب “، ” الجنة الضائعة “، ” أنا أبكيك للحب “، الأشواق التائهة “، ” أغاني التائه”، ” في ظل وادي الموت ” الصباح الجديد “، ” أنشودة الرعد”، ” نشيد الجبار”.

 ولكن فلنقرأ سوياً ( نشيد الجبار )…

ســأعيشُ رغــمَ الـداءِ والأعـداءِ

كالنَّســرِ فــوق القِمَّــةِ الشــمَّاءِ

أرنـو إلـى الشـمسِ المضيئةِ.. هازئًا

بالسُّــحْبِ, والأمطـارِ, والأنـواءِ..

لا أرمــقُ الظـلّ الكـئيبَ.. ولا أرى

مــا فـي قـرارِ الهُـوّةِ السـوداءِ..

وأسـيرُ فـي دنيـا المشـاعرِ حالمًـا

غـرِدًا - وتلـك سـعادةُ الشـعراءِ -

أُصغـي لموسـيقى الحيـاةِ, ووحْيِهـا

وأذيــب روحَ الكـونِ فـي إنشـائي

وأصيــخُ للصــوت الإلهـي الـذي

يُحــيي بقلبــي ميّــتَ الأصـداءِ

وأقــول للقــدرِ الــذي لا ينثنـي

عــن حـرب آمـالي بكـلِّ بـلاءِ:

لا يطفـيءُ اللهـبَ المؤجَّـجَ في دمي

مـوجُ الأسـى, وعـواصفُ الأرزاءِ

فاهْدِمْ فــؤادي مـا اسـتطعتَ, فإنـه

ســيكون مثـل الصخـرةِ الصمـاءِ

لا يعـرفُ الشـكوى الذليلَـة والبكـا,

وضَراعَــة الأطفــالِ والضّعفـاءِ

ويعيشُ جبَّـــارًا, يحــدِّق دائمًــا

بـالفجرِ.. بـالفجرِ الجـميل, النـائي

واملأ طـريقي بالمخـاوفِ, والدُّجـى

وزوابــعِ الأشــواكِ والحصبــاءِ

وانشرْ عليـه الـرُّعبَ, وانـثر فوقـه

رُجـمَ الـرّدى, وصـواعقَ البأسـاءِ

سأظلُّ أمشــي رغـم ذلـك, عازفًـا

قيثـــارتي, مترنِّمًـــا بغنــائي

أمشي بـــروحٍ حــالمٍ, مُتَــوَهِّجٍ

فــــي ظلمــــةِ الآلام والأدواءِ

النورُ فــي قلبــي وبيـن جوانحـي

فعـلام أخشـى السـيرَ فـي الظلماءِ!”

إني أنــا النــايُ الـذي لا تنتهـي

أنغامُــه, مــا دام فــي الأحيـاءِ

وأنا الخــضمُّ الرحْـبُ, ليس تزيـدُه

إلا حيـــاةً ســـطوةُ الأنـــواءِ

أمَّا إذا خــمدتْ حيــاتي, وانقضـى

عُمُــري, وأخرسـت المنيَّـةُ نـائي

وخبا لهيـبُ الكـونِ فـي قلبـي الذي

قـد عـاش مثـلَ الشـعلةِ الحـمراءِ

فأنا الســـعيدُ بـــأنني مُتَحَــوِّلٌ

عــن عــالمِ الآثـامِ, والبغضـاءِ

لأذوب فـي فجـرِ الجمـالِ السرمديِّ

وأرتــوي مــن مَنْهَـلِ الأضـواءِ

وأقــولُ للجــمعِ الــذين تجشّـموا

هــدمي وودُّوا لــو يخــرُّ بنـائي

ورأوْا عــلى الأشـواكِ ظـلِّي هـامِدًا

فتخــيَّلُوا أنِّــي قضيْــتُ ذَمـائي

وغَــدوْا يَشُـبُّونَ اللهيـبَ بكـلِّ مـا

وجــدوا.., ليشـوُوا فوقـه أشـلائي

ومضَــوْا يمـدُّون الخِـوانَ, ليـأكلوا

لحــمي, ويرتشــفوا عليـه دمـائي

إنـي أقـولُ لهـم - ووجـهي مشرقٌ

وعـلى شـفاهي بسـمةُ اسـتهزاءِ -:

إن المعـــاولَ لا تهــدُّ منــاكبي

والنــارَ لا تــأتي عـلى أعضـائي

فارموا إلـى النـارِ الحشـائشَ. والعبوا

يـا معشـرَ الأطفـالِ تحـت سـمائي

وإذا تمــرّدت العـواصفُ, وانتشـى

بــالهولِ قلــبُ القبّــة الزّرقـاء

ورأيتموني طــــائرًا, مترنِّمًـــا

فـوق الـزوابعِ, فـي الفضـاءِ النائي

فارموا عـلى ظـلّي الحجارَةَ, واختفوا

خـوْفَ الريـاحِ الهُـوجِ والأنـواءِ…”

وهناك, فـي أمْـنِ البيـوتِ, تطارحوا

غَــثّ الحــديث, وميِّــتَ الآراءِ

وترنَّموا - مــا شــئتمُ - بشـتائمي

وتجـاهَرُوا - مـا شـئتمُ - بعـدائي

أمَا أنــا فــأجيبُكم مــن فَــوقِكم

والشـمسُ والشـفقُ الجـميل إزائـي“:

من جــاش بـالوحي المقـدّسِ قلبُـه

لــم يحــتفِلْ بحجــارةِ الفُلَتـاءِ

 

هذا المقال كتبته لمجلة Student Talk ( الإمارات العربية المتحدة ) في العدد الثاني من العام 2005 ( Issue 03 - August / September 2005 )

وسوم: , , , ,

22 مايو 2008 أدب وشعر | 266 قراءة | أرسل المقال لصديقك | طباعة


تم إضافة الموضوع للمدونة بتاريخ : 22 مايو 2008 ، فان أصبت به فمن الله وحده وان أخطأت فمن نفسي والشيطان. يمكنك نقل أي موضوع من المدونة بشرط ذكر المصدر وذكر رابط الموضوع الأصلي.
اللهم إني أسألك الرحمة والمغفرة لوالدتي.
يمكنك متابعة أي تعليق من خلال RSS 2.0 خلاصات التعليقات.
يمكنك ترك تعليق، أو تعقيب من خلال موقعك الشخصي.

أضف تعليقاً

تذكر قول الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18